عامر النجار
12
في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية
يعرف إنسان من الناس أو كثير منهم ، منابت الحشائش والعقاقير ، ومواضع المعادن وخواصها ، وقوى أعضاء سائر الحيوان وخواصها ومضارها ومنافعها ويعرف سائر الأمراض والبلدان واختلاف أمزجة أهلها مع تفريق ديارهم ؟ ويعرف القوة التي ينتجها تركيب الأدوية ، وما يضاد قوة من قوى الأدوية ، وما يلائم مزاجا مزاجا وما يضاده ، مع ما يتبع ذلك من سائر صناعة الطب فإن سهل ذلك وهونه كذب ، وإن صعب أمره في عمله من جهة المعرفة قلنا استنباط هذه الصناعة بقي أن تكون موجودة بطريق الوحي والإلهام . . . قال ابن المطران : هذا كلام مشوش كله مضطرب ، وإن كان جالينوس قال في تفسير العهد : إن هذه الصناعة وحيية إلهامية . وقال : فلاطن في كتاب السياسة إن اسقلييبيوس كان رجلا مؤيدا ملهما . . . لكن تبعيد حصول هذه الصناعة باستنباط العقول خطأ ، وتضعيف العقول التي استنبطت أجل من صناعة الطب . ولنتنزل أن أول العالم كان واحدا محتاجا إلى صناعة الطب كحاجة هذا العالم الجم الغفير اليوم ، وأنه ثقل عليه جسمه واحمرت عيناه وأصابه علامات الامتلاء الدموي ، ولا يدرى ما يفعل ، فأصابه من قوته الرعاف « 1 » . فزال عنه ما كان يجده فعرف ذلك ، فعاوده في وقت آخر ذلك بعينه فبادر إلى أنفه فخدشه فجرى منه الدم فسكن عنه ما كان يجده فصار ذلك عنده محفوظا يعلمه كل من وجده من ولده ونسله . ولطفت حواشي الصناعة حتى فتح العرق بلطافة ذهن ورقة حس . . . ولو نزلنا لفتح العرق ، آنا آخر ، ممن هذه صفته ، انجرح أو انخدش فجرى منه الدم فكان له ما ذكرنا من النفع ، ولطفت الأذهان في استخراج « 2 » . الفصد جاز فصار هذا بابا من الطب . وآخر امتلأ من
--> ( 1 ) الدم يخرج من الأنف . ( 2 ) تفجير الدم من العرق .